ابراهيم بن عمر البقاعي
36
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
اتباعه والكون في أثره للحلول في الأماكن التي حدها اللّه لهم وأمر السبعين المختارة بمثل ذلك ، وكأنهم لما مضى تلبثوا لما رأوا من مقام الجلال ، فلما مضت الثلاثون بعد ذهاب موسى لم يكن أتى الوقت الذي أراد اللّه أن تكون المناجاة فيه ، فزاده عشرا فظن بنو إسرائيل الظنون في تلك العشرة ، ووقع لهم ما وقع من اتخاذ العجل . ولما كان ذلك - واللّه أعلم بما كان ، وكان أعظم ما مضى في آية الامتنان عليهم والتعرف بالنعم إليهم المواعدة لهدايتهم بالآيات المرئية والمسموعة ، وختم ذلك بالإشارة إلى الاجتهاد في الإقبال على الهدى ، أتبع ذلك ذكر ضلالهم بعد رؤية ما يبعد معه كل البعد إلمام من رآه بشيء من الضلال ، كل ذلك لإظهار القدرة التامة على التصرف في القلوب بضد ما يظن بها ، وكان تنجز المواعيد ألذ شيء للقلوب وأشهاه إلى النفوس ، وكان السياق مرشدا حتما إلى أن التقدير : فأتوا إلى الطور لميعادنا ، وتيمموا جانبه الأيمن بأمرنا ومرادنا ، وتعجل موسى صفينا الصعود فيه مبادرا لما عنده من الشوق إلى ذلك المقام الشريف وتأخر مجيء قومه عن الإتيان معه ، فقلنا : ما أخر قومك عن الإتيان معك ؟ فعطف عليه قوله : وَما أَعْجَلَكَ أي أيّ شيء أوجب لك العجلة في المجيء عَنْ قَوْمِكَ وإن كنت بادرت مبادرة المبالغ في الاسترضاء ، أما علمت أن حدود الملوك لا ينبغي تجاوزها بتقدم ولا تأخر ؟ يا مُوسى * فهلا أتيتم جملة وانتظرتم أمرا جديدا بخصوص الوقت الذي استحضركم فيه قالَ موسى ظنا منه أنهم أسرعوا وراءه : هُمْ وأتى باسم الإشارة وأسقط منه هاء التنبيه لأنه لا يليق بخطاب اللّه ، قال ابن هبيرة : ولم أر أحدا من الأصفياء خاطب ربه بذلك ، وإنما خاطب به الكفار لغباوتهم قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ [ النحل : 86 ] في أمثالها وأما آخر الزخرف فقد ذكر التعبير بها في موضعه أُولاءِ أي هم في القرب بحيث يسار إليهم ، كائنين عَلى أَثَرِي أي ماشين على آثار مشيي قبل أن ينطمس لم أسبقهم إلا بشيء جرت العادة في السبق بمثله بين الرفاق ، هذا بناء منه على ما كان عهد إليهم ، وأكد فيه عليهم : ثم اعتذر عن فعله فقال : وَعَجِلْتُ أنا بالمبادرة إِلَيْكَ وجرى على عادة أهل القرب كما يحق له فقال : رَبِّ أي أيها المسارع في إصلاح شأني والإحسان إليّ لِتَرْضى * عني رضا أعظم مما كان قالَ الرب سبحانه : فَإِنَّا أي قد تسبب عن عجلتك عنهم أنا قَدْ فَتَنَّا أي خالطنا بعظمتنا مخالطة مميلة محيلة قَوْمَكَ بتعجلك . ولما كانت الفتنة لم تستغرق جميع الزمن الذي كان بعده ، وإنما كانت في بعضه ،